سليمان الدخيل
144
كتاب الفوز بالمراد في تاريخ بغداد
الجهال . . فأجمع من بحضرتك من القضاة ، واقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين هذا إليك ، فابدأ بامتحانهم فيما يقولون وتكشيفهم عما يعتقدون في خلق اللّه القرآن وأحداثه « 1 » . وعلى الرغم من تشدد المأمون في حمل الناس على القول بخلق القرآن فإن بعض العلماء رفضوا رأى الخليفة ، وأصروا على أن القرآن قديم وتعرضوا للأذى بسبب إصرارهم وأوصى المأمون قبل وفاته المعتصم بحمل الناس على القول بخلق القرآن ، فلما ولى المعتصم الخلافة سار سيرة المأمون في القول بخلق القرآن ، على الرغم من ضآلة ثقافته ، وإغفاله مجالس المناظرة ، ومجالسة العلماء ، كما كان الحال في عهد سلفه . اشتد المعتصم مع المعارضين للقول بخلق القرآن ، ومن الذين اشتد في عقوبتهم ، أحمد بن حنبل ، فعلى الرغم من أنه تعرض الضرب المؤلم والتعذيب إلا أنه أصر على امتناعه ورفض أن يستجيب لمطلب بعض الذين أشفقوا عليه بأن يقول بخلق القرآن تقية وقال : إذا أجاب العالم تقية ، والجاهل يجهل ، فمتى يتبين الحق ؟ وأصر الرجل على امتناعه ، حتى أعجب الناس بقوة عقيدته ، وكان أحمد بن حنبل يقول بأن اللّه قديم وليس كمثله شئ . ولا يقول بخلق القرآن لأن اللّه لم يقله ورسوله لم يدع إليه . وعلى الرغم من أن الذين عارضوا القول بخلق القرآن تعرضوا للقتل بأمر من المعتصم إلا أن هذا الخليفة لم يعاقب ابن حنبل بمثل ما عاقب به غيره ، لأنه خشي أن يحدث قتله فتنة نظرا لالتفاف الناس حوله بعد أن أعجبوا بصلابته ، كما أن المعتصم نفسه أعجب بشجاعته وثباته على ما يعتقد أنه الحق ، وأكتفى بضربه ، ثم أمر بالافراج عنه ، ذلك أن المعتصم عقد مجلسا لمناظرة الإمام أحمد بن حنبل ، وقال له : لولا أن كنت في يد من كان قبل ما أتعرض إليك . ثم بدأت المناظرة وقال ابن حنبل : القرآن من علم اللّه ، ومن زعم أن علم اللّه مخلوق كفر باللّه وكان صوته يعلو على صوت مناظريه ، وتغلب حججه حججهم ، وفي أثناء
--> ( 1 ) الطبري : تاريخ الأمم والملوك حوادث سنة 218 ه .